فخر الدين الرازي
75
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : تمسك الصاحب بن عباد بقوله : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ على أن فعل العبد ليس مخلوقا للَّه تعالى . قال : لأنه تعالى لو خلق الأفك فيه ، فكيف يليق به أن يقول مع ذلك : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . والجواب عنه : أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية ، فإن ترجح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح ، فحينئذ لا يكون هذا الرجحان من العبد ، بل يكون محض الاتفاق ، فكيف يحسن أن يقال له : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وأن توقف ذلك المرجح على حصول مرجح ، وهي الداعية الجاذبة إلى الفعل ، فحصول تلك الداعية يكون من اللَّه تعالى ، وعند حصولها يجب الفعل ، وحينئذ يلزمكم كل ما ألزمتموه علينا . واللَّه أعلم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 96 ] فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) [ في قوله تعالى فالق الإصباح وأنه من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ] اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، فالنوع المتقدم كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان ، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية ، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر ، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية ، وتقرير الحجة من وجوه : الأول : أن نقول : الصبح صبحان . فالصبح الأول : هو الصبح المستطيل كذنب السرحان ، ثم تعقبه ظلمة خالصة ، ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق فنقول : أما الصبح الأول : وهو المستطيل الذي يحصل عقيبه ظلمة خالصة فهو من أقوى الدلائل على قدرة اللَّه وحكمته ، وذلك لأنا نقول : إن ذلك النور إما أن يقال : إنه حصل من تأثير قرص الشمس أوليس الأمر كذلك ، والأول باطل ، وذلك لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فأهل الموضع الذي تكون تلك الدائرة أفقا لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم ، وفي ذلك الموضع أيضا نصف كرة الأرض ، وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتنا ، وذلك الضوء يكون منتشرا مستطيرا في جميع أجزاء الجو ، ويجب أن يكون ذلك الضوء في كل ساعة إلى القوة والزيادة والكمال ، والصبح الأول لو كان أثر قرص الشمس لامتنع كونه خطا مستطيلا ، بل يجب أن يكون مستطيرا في جميع الأفق منتشرا فيه بالكلية ، وأن يكون متزايدا متكاملا بحسب كل حين ولحظة ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل علمنا أن الصبح الأول يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى تشبهه العرب بذنب السرحان ، ثم إنه يحصل عيبه ظلمة خالصة ، ثم يحصل الصبح المستطير بعد ذلك علمنا أن ذلك الصبح المستطيل ليس من تأثير قرص الشمس ، ولا من جنس نوره ، فوجب أن يكون ذلك حاصلا بتخليق اللَّه تعالى ابتداء تنبيها على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بتخليقه ، وإن الظلمات لا ثبات لها إلا بتقديره كما قال في أول هذه السورة وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ . والوجه الثاني : في تقرير هذا الدليل أنا لما بحثنا وتأملنا علمنا أن الشمس والقمر وسائر الكواكب لا تقع أضواؤها إلى علي الجرم المقابل لها . فأما الذي لا يكون مقابلا لها فيمتنع وقوع أضوائها عليه ، وهذه مقدمة متفق عليها بين الفلاسفة وبين الرياضيين الباحثين عن أحوال الضوء المضيء ، ولهم في تقريرها وجوه نفيسة . إذا عرفت هذا نقول : الشمس عند الطلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون جرم الشمس مقابلا لجزء من أجزاء وجه الأرض ، فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض ، وإذ كان كذلك امتنع أن يكون ضوء